كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما أردت بشدة ان اعرف تفسير الحب، فلمحت الى احد الاخوة على مقاعد الدراسة ببيت شعر من شأنه ان يفتح بابا للنقاش في هذا الموضوع المحرج، فقلت له (نقل فؤادك حيث شئت من الهوى .. ما الحب الا للحبيب الاول) .. فقال زميلي (نعم .. هو الله تعالى) .. تفاجأت من تفسيره (و كان في الخامسة عشرة مثلي) فشرح لي أن والده اخبره بتفسير هذين البيتين من الشعر
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الأول
و كم من منزل في الارض يألفه الفتى و حنينه ابدا لأول منزل
يتنقل فؤاد الانسان بين انواع الهوى المختلفة من حب للدنيا و حب للاشخاص و حب للمال … الخ ، و لكن يبقى في قلبه نزعة ميالة الى حبيبه الأول و خالقه و صانعه و المتفضل عليه بالنعم .. الله عز و جل.
و يتنقل الانسان في ارض الله الواسعة فيسافر و يسكن الاماكن المختلفة و لكن يبقى حنينه الى ارضه الاولى و منزله الاول في الجنــة .. التي خلق و عاش فيها ابوه آدم و امه حواء قبل ان ينزلا الى الارض.
وقع هذا التفسير من قلبي موقعا عميقا و صادفت في نفسي ارتياحا له .. جزى الله خيرا هذا الاخ و ابيه
كانت تلك المرة الاولى التي يخبرني فيها أحد اننا يجب ان نحب الله حبا يفوق حب الاشخاص (الاباء و الابناء و الاهل و الاصدقاء)
أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
إن أسمى معاني التوحيد ألا يجتمع في القلب حب المحبوب الاول و عشق الماديات من بشر او دنيا (او كما يمسيها ابن قيم الجوزية : عشق الصور) ، بل هما ضدان لا يتلاقيان ، و لا بد أن يخرج احدهما الاخر ..
(و من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، و الذين آمنوا أشد حبا لله ) البقرة – 165
فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى صرفه ذلك عن محبة ما سواه ، إلا أن يحب ما يحبه مولاه و كل ما يقربه الى محبة مولاه
قال صلى الله عليه و سلم ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان: أن يكون الله و رسوله احب اليه مما سواهما ، و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)
و قال عليه الصلاة و السلام (من أحب لله و أبغض لله و اعطى لله و منع لله فقد استكمل الايمان)
فمن لم يكن إلهه مالكه و مولاه ، كان إلهه هواه .. قال تعالى (أفرايت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله ، أفلا تذكرون) الجاثية – 23
و في اثر الهي (ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، و تكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شئ ، و إن فُتّك فاتك كل شئ ، و أنا احب اليك من كل شئ)
من كل شئ اذا ضيعته عوض و ما من الله إن ضيعته عوض
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على محبتك و محبة رسولك صلى الله عليه و سلم و محبة المؤمنين
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله قوة لنا فيما تحب
اللهم و ما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغا فيما تحب
من أروع الكتب التي بلورت مفهومي عن الحب و معانيه وحدوده الفاصلة في حب الله و رسوله و حب البشر و حب الماديات ووضعت تلك الحدود جلية وواضحة في قلبي ، كتاب اسمه الداء و الدواء لابن قيم الجوزية .. و لكل من تساءل مثلي عن الحب
م/ن
للفائدة